ملف خاص - CNBC عربية - أمل نبيل
يواصل الجنيه المصري نزيف الخسائر أمام الدولار الأميركي، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، التي دفعت العملة المحلية لأكبر دولة عربية من حيث عدد السكان إلى خسائر قاربت 14% منذ بداية عام 2026، في موجة تتقاطع فيها تداعيات التوترات الجيوسياسية مع ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع شهية المستثمرين الأجانب للمخاطرة، ما يعيد تسليط الضوء على قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الخارجية من دون أن تتحول إلى ضغوط ممتدة على سعر الصرف والتضخم.
وقفز سعر الدولار الأميركي إلى مستويات قياسية مقابل الجنيه المصري خلال تعاملات اليوم الخميس، متجاوزاً حاجز 55 جنيهاً في البنوك المحلية.
#عاجل الجنيه المصري يسجل تراجعًا أمام الدولار في عدد من البنوك المصرية ليصل سعر الدولار إلى 55.02 جنيه للبيع في بنك مصر فيما سجل 55.22 جنيه للبيع في البنك الأهلي المصري https://t.co/UzXH7H1l6I
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) October 22, 2026
وتعرض الجنيه لضغوط مستمرة خلال معظم أيام الشهر، حيث فقد 6.4% من قيمته منذ بداية أكتوبر تشرين الأول.
قال الخبير المصرفي طارق متولي إن التوترات الجيوسياسية في المنطقة هي الدافع الرئيسي وراء تراجع سعر الجنيه مقابل الدولار، في ظل اعتماد الاقتصاد المصري بشكل كبير على الأموال الساخنة.
والأموال الساخنة هي استثمارات أجنبية في الأسهم والسندات والودائع المصرفية، وتوصف بالساخنة لأنها تجذب المضاربين الباحثين عن تحقيق عوائد سريعة نتيجة ارتفاع معدلات الفائدة.
وتكمن خطورة الأموال الساخنة في طبيعة استثمارات المضاربين الباحثين عن عوائد مرتفعة على المدى القصير، إذ يسارع هؤلاء المستثمرون إلى سحب أموالهم بالسرعة نفسها التي دخلوا بها، عند وجود معدلات فائدة أعلى في دول أخرى أو في حال حدوث اضطرابات إقليمية أو محلية. وبالإضافة إلى ذلك، يركز هؤلاء المستثمرون على أدوات مالية عالية السيولة ويسهل تداولها، بما يمكنهم من الخروج السريع.
وأشار متولي إلى أن ارتفاع أسعار النفط يمثل عاملاً إضافياً يضغط على العملة المصرية، مع ارتفاع فاتورة واردات الطاقة في دولة تعتمد على واردات الخام بشكل كبير لتلبية الاحتياجات المحلية من الوقود.
وقفزت أسعار النفط بأكثر من 3% خلال تعاملات اليوم الخميس، وتجاوزت العقود الآجلة لخام برنت 112 دولاراً للبرميل، في ظل تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة تعتزم استئناف الضربات ضد إيران.
وتعني زيادة فاتورة الطاقة أن جزءاً أكبر من موارد النقد الأجنبي قد يتجه إلى تلبية احتياجات الاستيراد، بما يقلص المساحة المتاحة لتمويل احتياجات أخرى إذا لم تقابل هذه الزيادة تدفقات كافية من السياحة والصادرات والتحويلات والاستثمار الأجنبي.
وتوقع متولي، في تصريحات لـCNBC عربية، أن يواصل الجنيه المصري رحلة الهبوط أمام الدولار الأميركي في حال تجدد الضربات بين أميركا وإيران مرة أخرى.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرح بأن بلاده تستعد لجولة جديدة من الضربات ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في 3 نوفمبر تشرين الثاني المقبل.
وأكد الخبير المصرفي أن الارتفاعات الأخيرة في قيمة الدولار الأميركي لا تعكس منحنى جديد لسعر العملة الخضراء في مصر، متوقعاً أن يعود الدولار إلى مستويات تتراوح بين 48 و52 جنيهاً في حال انحسار التوترات في المنطقة.
وقال الخبير المصرفي محمد عبد العال إن تحركات سعر الدولار أمام الجنيه المصري تأتي في ظل تداخل مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية، في مقدمتها تصاعد المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وما يصاحبها من إعادة تسعير علاوة المخاطر على الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل.
وأشار إلى أن صافي خروج الاستثمارات الأجنبية من السوق الثانوية لأدوات الدين الحكومية المصرية، والذي بلغ نحو 1.13 مليار دولار خلال أيام تداول الأسبوع الحالي، لا يعني بالضرورة حدوث موجة هروب جماعي للأموال الساخنة، إذ قد يرتبط بتسوية التزامات دورية وتحويل جزء من الأرباح، بالتزامن مع تدفقات شرائية من المستثمرين العرب.
وأضاف في تصريحات لـ CNBC عربية، أن قوة الدولار عالمياً، مدفوعة بارتفاع عوائد السندات الأميركية وتوقعات السياسة النقدية للفدرالي، تمثل ضغطاً إضافياً على عملات الأسواق الناشئة، بما فيها الجنيه المصري، في وقت تزيد فيه أسعار الطاقة المرتفعة من احتياجات مصر الدولارية لتأمين واردات الوقود والغاز الطبيعي المسال، إلى جانب أعباء خدمة الدين الخارجي وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بفعل اضطرابات البحر الأحمر.
وأوضح عبد العال أن مسار الجنيه خلال الفترة المقبلة سيظل مرهوناً بتوازن العرض والطلب على النقد الأجنبي، وحجم التدفقات الاستثمارية، وتطورات الأوضاع الجيوسياسية.
وأضاف أن الجنيه المصري يواجه حاجزاً نفسياً وفنياً شديد الأهمية يقع بين 54.00 و55.80 جنيهاً للدولار، مشيراً إلى أن كسر هذا المستوى والاستقرار فوقه قد يفتح الباب أمام مستويات جديدة يحددها حجم التدفقات الاستيرادية وحجم المعروض.
وفي حال هدوء الطلب الاستيرادي الطارئ والتوترات الجيوسياسية في المنطقة والعالم، توقع عبد العال أن يعود سعر الصرف إلى مستويات تتراوح بين 51.50 و52.20 جنيهاً، باعتبارها منطقة دعم أولى وقوية للعملة المحلية.
وأكد الخبير المصرفي أن تضافر هذه العوامل يبرهن للأسواق على أن حركة الجنيه الحالية هي نتاج «آليات عرض وطلب حقيقية وصدمة تضخم مستوردة»، وليست مؤشراً على نقص هيكلي في الاحتياطيات الدولية، التي سجلت مستوى قياسياً بلغ 57.35 مليار دولار.
وبحسب البنك المركزي المصري، بلغ صافي الاحتياطيات الدولية نحو 57.35 مليار دولار في نهاية سبتمبر أيلول 2026.
وقال الخبير المصرفي، هاني أبو الفتوح، إن مصر تواجه حالياً مجموعة من الضغوط الاقتصادية، لكن ما يحدث في سوق الصرف لا يرتبط بعامل واحد فقط، بل بمجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها التطورات السياسية والجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، وما تثيره من مخاوف لدى المستثمرين الأجانب.
وأضاف لـ CNBC عربية، أن المستثمر الأجنبي شديد الحساسية تجاه المخاطر، وعندما يشعر باحتمال تصاعد التوترات أو اتساع نطاق العمليات العسكرية، يبدأ في إعادة تقييم استثماراته وتقليص انكشافه على الأسواق التي قد تتأثر بهذه التطورات.
وعندما يقرر المستثمر الأجنبي الخروج، فإنه يحتاج إلى تحويل استثماراته من الجنيه إلى الدولار، ما يزيد الطلب على العملة الأجنبية ويضيف ضغوطاً على سعر الصرف. وفي المقابل، إذا هدأت الأوضاع في المنطقة واستقرت التطورات، فقد نشهد عودة جزء من هذه التدفقات إلى السوق المصرية.
وأكد أبو الفتوح، أن التطورات السياسية ليست السبب الوحيد وراء الضغوط التي يتعرض لها الجنيه المصري. فهناك أيضاً التزامات خارجية يتعين الوفاء بها، تشمل سداد الديون وغيرها من الالتزامات، إلى جانب احتياجات الاستيراد من الخارج، خاصة في قطاعات الطاقة.
أما عن انتقال تأثير ارتفاع الدولار إلى الأسعار، فمن المؤكد أن ذلك ينعكس على تكلفة عدد من السلع، لكن سرعة انتقال التأثير وحجمه يختلفان من قطاع إلى آخر. ويعد سوق السيارات من الأسواق التي تستجيب سريعاً لتحركات سعر الصرف، وهو ما ظهر في الزيادات التي شهدتها أسعار السيارات خلال الأسبوع الحالي والأسبوع الماضي، إذ ارتفعت الأسعار أكثر من مرة خلال فترة قصيرة، بحسب أبو الفتوح.
وأضاف: "لا يقتصر الأمر على السيارات، إذ ظهرت بالفعل زيادات في أسعار بعض المنتجات الغذائية، كما لا يُستبعد أن نشهد زيادات أخرى إذا استمرت الضغوط الحالية".
وتوقع الخبير المصرفي أن تساهم زيادة سعر الدولار وارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة، في زيادة الضغوط التضخمية. أما إذا هدأت الأوضاع واستقر سعر الصرف، فقد يحد ذلك من حجم الزيادات المتوقعة في الأسعار.
وبالنسبة إلى احتمالات وصول الدولار إلى مستوى 60 جنيهاً، قال أبو الفتوح إنه لا يمكن الجزم بوصول الدولار إلى هذا المستوى أو تحديد توقيت معين لذلك. وفي الوقت نفسه، لا يمكن استبعاد أي سيناريو بصورة قاطعة إذا شهدت المنطقة تصعيداً كبيراً واستمرت الضغوط الحالية. فمسار سعر الصرف خلال الفترة المقبلة يرتبط بدرجة كبيرة بحركة رؤوس الأموال والتدفقات الأجنبية، والتطورات الخارجية، والأوضاع في المنطقة، وأسعار النفط. وإذا نجحت جهود الوساطة، في تهدئة الأوضاع وخفض المخاطر، فقد ينعكس ذلك إيجاباً على أسعار النفط وسوق الصرف، ويخفف من حدة الضغوط.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي